المسلمون أثرياء نفطيا.. فقراء علميا

news1243

تحت هذا العنوان الذي استفزني نشرت كبرى المجلات العلمية المحكمة (نيتشر) Nature  لجيم قيلز في عددها الصادر في نوفمبر 2006م تقريراً بعنوان Islam and science: Oil rich science poor فقلت في نفسي إنه التحامل البغيض على المسلمين! لكني بعد أن هدأت مشاعري بدأت أبحث في داخلي عن إجابات لهذه الأسئلة المحيرة: كم عدد المسلمين في العالم؟ وكم نسبة الإنتاج البحثي لهم؟ وهل يتناسب هذا مع ثروات العالم الإسلامي المالية والبشرية والطبيعية؟ ماهي مرتبتنا بين أمم الأرض في الإنتاج العلمي؟ كم عدد الباحثين المتفرغين للبحث في العالم الإسلامي؟ وكم نسبة إنفاق الدول الإسلامية وخصوصاً دول الخليج على البحث العلمي مقارنة بمعدل الدخل السنوي؟

لماذا لم تذكر أي جامعة عربية ضمن قائمة أفضل 500 جامعة في تصنيف عام 2006م في حين ذكر من ضمن المائة الأولى جامعات إسرائيلية ليست عنا ببعيد!

وقبل أن تسترسل معي في عدد غير منته من التساؤلات دعني وإياك نستعرض هذا التقرير الشيق لديفيد كنج والذي عنوانه (النتاج العلمي للأمم) والذي نشر في نيتشر عام 2004م. ولقد وقفت مع هذا التقرير طويلاً ولي فيه تأملات أحسبها مهمة لنا جميعاً وسأتناولها بالتفصيل.

فكلنا يعلم أن الحكم على مكانة الأمم علمياً يعد أمراً بالغ الأهمية للحكومات وللقطاع الخاص، وذلك لما له من أثر في التخطيط والتطوير والمراجعة. لذا ينبغي عمل دراسات تحليلية للبحث العلمي على مستوى العالم تدرس الإنفاق عليه ومخرجاته والعقبات التي تواجهه، كما يجب النظر بعناية لكمية ونوعية الإنتاج العلمي.

وقد قام كنج بعمل مقارنة بين أكثر من إحدى وثلاثين دولة في الإنتاج البحثي والتي يشكل إنتاجها 98% من الإنتاج العلمي، بينما بقية دول العالم ال162 لا يشكل إنتاجها سوى 2%!!

ولا يوجد ضمن هذه الدول أي دولة عربية رغم الثراء الكبير لدى الدول النفطية!

بل الأعجب من ذلك وجود دول صغيرة جداً من ناحية العدد على قائمة الدول المنتجة علمياً ومنها سويسرا (عدد السكان 7 ملايين)، وإسرائيل (عدد السكان 6 ملايين)، الدنمارك (عدد السكان 5 ملايين)، فنلندا (عدد السكان 5 ملايين)، السويد (عدد السكان 9 ملايين).

ومن العجيب إيضاً وجود دول ذات دخل منخفض نسبياً ضمن القائمة مثل الهند والبرازيل! وكما هو وكما هو المتوقع فإن على رأس القائمة: الولايات المتحدة، بريطانياً، ألمانيا، اليابان، فرنسا.

لكن كم تنفق هذه الدول على البحث العلمي؟

تنفق أمريكا حوالي 3% سنوياً من دخلها القوي على دعم البحث العلمي، وعند البقية فإن النسبة تتراوح بين 2 ونصف إلى 3%، خصوصاً في الدول الصناعية المتقدمة. وتتجاوز إسرائيل هذه النسبة حيث تنفق أعلى نسبة في العالم وهي تتجاوز 5% وتأتي السويد حيث تنفق 4.5% من دخلها السنوي على البحث العلمي.

وبقي عليك أن تجيبني أيّها القارئ الكريم: كم تنفق دول الخليج من دخلها على البحث العلمي؟ والإجابة حسب ما ذكر في تقرير قيلز هي أن النسبة لا تتجاوز 20% فقط.

كما أن هناك علاقة طردية واضحة بين الثراء وعدد الأبحاث عالية الجودة وهذا يتضح بمقارنة الدول ذات الدخل المنخفض مثل (الهند والبرازيل) فهي ذات إنتاج علمي منخفض رغم أن عدد سكانها كبير لكن إنفاقها على البحث قليل. وعند النظر للدول الثرية والتي تنفق بسخاء على البحث العلمي مثل إسرائيل وسويسرا والدنمارك والسويد فقد حققت مراكز متقدمة جداً بالرغم من قلة عدد سكانها والتي قد لا يساوي عدد سكان إحدى العواصم العربية.

ولكنك مثلي ستتألم حينما ترى دولاً غنية جداً مثل دول الخليج اسمها غير موجود في القائمة والسبب واضح وهو عدم دعم البحث العلمي بشكل يتناسب مع ثراءها.

ومن الملاحظ أيضاً المشاركة الواضحة للقطاع الخاص في دعم البحث العلمي حيث يتراوح من 55% في إيطاليا إلى 74% في أمريكا من مجمل الدهم الكلي للبحث (حكومي مع قطاع خاص).

والسؤال المنطقي هنا ما دور كبريات الشركات العربية والتي تصل ثرواتها بالمليارات في بلداننا لدعم البحث العلمي وكم تشكل من نسبة الدعم الكلي؟!

وهل هناك شراكة حقيقية واستثمار أمثل للكفاءات العلمية بالجامعات من قبل القطاع الخاص؟

ومن المعلوم كذلك أن البحث العلمي لا يكفيه فقط الدعم المادي بل يحتاج لدعمه بالعقول الباحثة وتفريغ الباحثين لهذا العمل.ففي اليابان هناك أكثر من ستمائة ألف باحث مفرغ تماماً للبحث العلمي، وفي أمريكا ما يزيد عن مليون ومائة ألف باحث متفرغ، وفي ألمانيا يصل الرقم إلى 293 ألفاً.  فكم هو عدد المفرغين للبحث في العالم العربي. هل يتجاوز بضع مئات!

قد يعترض البعض بأن عدد السكان في هذه الدول كبير، لكن الاعتراض يزول عند النظر إلى عدد الباحثين المتفرغين لكل ألف موظف في الدولة، فهو يصل إلى 9 لكل ألف في اليابان وثمانية لكل ألف في أمريكا و 6 لكل ألف في ألمانيا!

 ومما يتضح من هذا التقرير كبر الفجوة العلمية بين الدول المتقدمة وبقية الدول، حيث تنتج الدول الثماني الأولى حوالي 85% من الأبحاث ذات الجودة العالية.

وبينما تنتج قائمة الإحدى وثلاثين دولة 97,5% من الإنتاج العلمي نجد البقية وهي 162 دولة تنتج 2,5% فقط، ولا يوجد ضمن قائمة الإحدى وثلاثين أي دولة إسلامية غير إيران والتي تحتل المرتبة الثلاثين.

وللأسف يأتي غياب الدول الإسلامية والعربية بالرغم من عدة أمور:

1- ارتفاع معدل دخل الفرد في البلاد العربية وخصوصاً لدى دول الخليج، فقطر مثلاً تحتل المرتبة السابعة على مستوى العالم من حيث دخل الفرد ( 38 ألف دولار للفرد سنوياً) والإمارات تحتل المرتبة السابعة عشرة بمعدل دخل 35 ألف دولار سنوياً، وتأتي بعدها البحرين ثم الكويت ثم عمان، والسعودية (تحتل المرتبة الخمسين بمعدل دخل 17 ألف دولار).

2- وجود دول إسلامية ذات تعداد سكاني عالٍ مثل إندونيسيا (241 مليون نسمة) في حين كان في أعلى القائمة  دول ذات تعداد سكاني منخفض مثل الدنمارك (5ملايين)، النرويج (4ونصف مليون)، فنلندا (5ملايين)، (النرويج4 ونصف مليون)، أيسلندا (300 ألف)، إسرائيل (6ملايين). فعند التدقيق نجد أن إنتاج دولة واحدة صغيرة مثل الدنمارك أو إسرائيل يفوق العالم الإسلامي مجتمعاً؟! بل إن دولة مثل لوكسمبورج وهي دولة أوربية صغيرة جداً  تعداد سكانها 300 ألف نسمه يفوق إنتاجها العلمي الدول العربية مجتمعه؟!

3- ليس المسلمون والعرب بأقل ذكاءً من غيرهم، فهناك نماذج فردية متميزة في عصرنا الحاضر حصلت على جائزة نوبل، مثل عبد السلام (باكستاني) في الفيزياء 1979م وأحمد زويل (مصري -أمريكي) في الكيمياء عام 1999م.

بل إن هناك دولا ذات دخل منخفض نسبيا تطورت في الإنتاج العلمي بسرعة ملحوظة في السنوات الأخيرة مثل الهند والصين. فالهند تميزت في الحاسب الآلي, والصين الآن استعادت أعداداً كبيرة من أبنائها الباحثين في الغرب ليقوموا بإجراء بحوثهم في بلدهم ذي الاقتصاد الأسرع نمواً في العالم. ويتوقع لهاتين الدولتين مزيد من التقدم خلال الخمس سنوات القادمة.

ونلاحظ كذلك أنه من قائمة أكثر العلماء إنتاجيةً وتأثيراً في العالم والتي تحوي 1222 عالماً يوجد في الولايات المتحدة  66% منهم، وسبب ذلك دعم الباحثين من أبنائها مع دفع رواتب مغرية جداً لاستقطاب العلماء من مختلف البلدان وإضافة إنتاجهم العلمي للرصيد الأمريكي. وأكبر مثال على ذلك محاولات الجامعات الأمريكية المتكررة لاستقطاب عالم الرياضيات الروسي البارع قريقوري بيرلمكان.

ورغبة في منافسة أمريكا  فقد تنادى الأوربيون بقوة لتحسين رواتب الباحثين وأساتذة الجامعات لاستقطاب المزيد منهم.

ليت شعري ماذا يقول الأستاذ الجامعي لدينا إذا كان الأستاذ في كلية الهندسة مثلاً لا يعادل راتبه نصف راتب أحد طلابه الذي تخرج مهندسا بدرجة البكالوريوس ويعمل في إحدى الشركات المحلية، وكذلك حال الأستاذ في الطب إذ يتقاضى طالبه حديث التخرج والذي يعمل في بعض القطاعات الصحية الأخرى أكثر من ضعف راتب أستاذه!!.

ورغم كل ما ذكرت لا أريد أن يصيبك كلامي هذا باليأس والإحباط  فنحن  ولله الحمد نرى أن الأمور تتجه في بلدنا نحو الأفضل، خصوصا بعد الدعم الحكومي السخي للأبحاث العلمية في السنوات الثلاث الأخيرة.وكذلك مما يجعلنا نستشعر ذلك إنشاء مراكز التميز البحثي وكراسي البحوث في جامعاتنا وعلى رأسها جامعة الملك سعود. وبيننا أساتذة لهم إنتاج بحثي متميز وبراءات اختراع عالمية. لذا علينا أن نتفاءل ونشمر عن ساعد الجد ونفعل مراكز التميز وكراسي البحوث في أرض الواقع.

المصدر: رسالة الجامعة – جامعة الملك سعود

البروفسور خالد بن محمد الغامدي
استشاري الجلدية والليزر وزراعة الشعر
البورد الأمريكي في الجراحة التجميلية بالليزر
عضو الجمعية الأوروبية لزراعة الشعر
للحجز موعد: مركز كادينا- الرياض- ت 00966114555444
تويتر: https://twitter.com/ProfAlghamdi
اليوتيوب: https://www.youtube.com/user/dralghamdi1
فيسبوك: https://www.facebook.com/prof.khalidalghamdi
انستجرام: http://instagram.com/profalghamdi